قصة الشاب في ارض الجيراسين وعالم اليوم
(من كتاب لي بعنوان سلام النفس وهو تعريب لكتاب لللاهوتي فولتن شين نشرته سنة 2024)
مقدمة
ما هو الربط بين حدث كتابي وعالم اليوم حيث الهجمة الملحدة على اتباع المسيح. اخترت الفصل الخامس من مرقس معتمدا على اللاهوتي الأمريكي الكاثوليكي المرشح للتطويب المطران فالتون شين كتب اللاهوتي فالتون شين المتوفي القرن الماضي. انه الصراع بين المؤمنين والإلحاد العلماني. الإنسان مدعو لعمل الخير وكثيرا ما الملحدون يضعون الأولوية للمصلحة الشخصية حتى لو لم يكن لديهم عمل فيه خير، ومن يعمل الخير يعتبروه ساذجا. فنجد وجود كراهية وحسد ورفض العمل بين الحالتين ومعاداة لهؤلاء الطيبين.
ما السبب؟
سبب هذه الحالة هو الإضطراب والإحباط لدى هؤلاء. هم ربما ليسو ضد الديانة المسيحية بل ضد اقتراب اشخاص من الله بالمسيح. يعتقد شين ان من يكره الإيمان بالله هو يكره نفسه اولا، ولأنه لا يجد مبررا لإلحاده يكره المؤمن. ويشعر بالثورة ضد هويته الإصلية كمدعو ان يكون ابنا لله، فهؤلاء يحبون تفتيت الجماعات البشرية.
انجيل مرقس
نجد في انجيل مرقس نموذجا لهذه الروح المشوشة. حيث في الفصل الخامس نقرأ عن شاب في أرض الجيراسين يوصف بأنه لديه نفس الإحباطات الثلاثة التي للنفس المعاصرة: 1- احباط ذاتي، 2-واحباط من المجتمع، 3- ومن الله بسبب الشريعة آنذاك.
كان الشاب مغرورًا بنفسه، لأنه عندما سأله ربنا: “ما هو اسمك؟ أجاب الشاب، “اسمي هو لجيون لأننا كثيرون “(مرقس 5: 9). نلاحظ الصراع الشخصي والارتباك بين “أنا” و “نحن كثيرون”. من الواضح أنه يمثل مشكلة لنفسه. من أجل هذا السبب أطلق على نفسه اسم “كتيبة”. ونعلم انه لا توجد شخصية منقسمة وسعيدة. يصف الإنجيل هذا التعاسة بقوله ان الشاب كان “يبكي ويجرح نفسه بالحجارة. (مرقس 5: 5). الرجل المرتبك يكون حزيناً دائما وهو أسوأ عدو لنفسه، لأنه يسيء القصد من الطبيعة فيدمر نفسه.
لقد الشاب انفصل عن رفقائه الرجال بسبب يصفه الإنجيل على النحو التالي: “5وكانَ طَوالَ اللَّيلِ والنَّهارِ في القُبورِ والجِبال، يَصيحُ ويُرَضِّضُ جسمَه بالحِجارة.”(مرقس 5: 5). هو كان يشكل خطرا على الرجال الآخرين، “4فكَثيراً ما رُبِطَ بِالقُيودِ والسَّلاسِل فقَطَّعَ السَّلاسِلَ وكَسَّرَ القُيود. ولَم يَكُنْ أَحَدٌ يَقوى على قَمعِه.”(مرقس 5: 4).
الإنعزالية
الإنعزالية هي صفة مميزة للإلحاد العلماني، حيث موطنها الطبيعي يكون بعيداً عن اعضاء الكنيسة، هناك بين القبور في منطقة الموت (بالمعنى الرمزي اليوم). لا يوجد شيء يبني في الخطيئة، فطبيعتها هي الطرد المركزي، والانقسام والتدمير.
كان الشاب منفصلا عن الله لأنه لما رأى المخلص الإلهي صرخ، ” ما لي ولَكَ، يا يَسوعَ ابنَ اللهِ العَلِيّ أَستَحْلِفُكَ بِالله لا تُعَذِّبْني”(مرقس 5: 7). وهذا يعني، “ما الذي لدينا مشترك؟ وجودك هو تدمير لي.” إنه امر مهم للحقيقة النفسية في كون النفس المحبطة تكره الخير وتريد أن ينفصل عنه. ان كل خاطئ يختبئ من عند الله؛ قال قايين، القاتل الأول، لله، “14 ها قد طَرَدتَني اليَومَ عن وَجهِ الأَرض ومن وَجهِكَ أَستَتِر، وأَكونُ تائِهًا شاردًا في الأَرض، فيَكونُ أَنَّ كُلَّ مَن يَجِدُني يَقتُلُني” (تكوين 4: 14).
يبدو اليوم أن النفس المعاصرة ليست معاصرة، بعد كل شيء. مثل الشاب الجيراسيني، هو مغترب عن نفسه، ومنعزل عن رفاقه والهه. لكن هناك فرق حيث كان الشباب الجيراسيني قبل المسيحية ونموذج لليهودي، اما النفس المعاصرة اليوم فهي بعد المسيحية. لذلك هناك اختلاف أساسي ما زال يترك المشكلة دون حل وهو: كيف نتعامل مع الناس اليوم؟
شيء واحد مؤكد وهو ان النفس المعاصرة لن تجد السلام طالما أنها محبوسة داخل ذاتها، تفكر في حثالة ورواسب عقلها اللاواعي، فريسة القوى اللاواعية التي تمجد طبيعتها ووجودها. الجواب الحقيقي هو أن الإنسان يجب أن يتحرر من سجنه الداخلي. يجب أن تأتي المساعدة من الخارج؛ ويجب ألا تكون مجرد مساعدة بشرية، بل إلهية. لا شئ أقل من اجتياح إلهي يعيد الإنسان إلى الصواب الأخلاقي ويمكن أن يسعد الإنسان عندما يكون وحيدًا في الظلام.
لقد تم شفاء الشاب المحبط من جيراسين فقط عندما صالحه مع ذاته ومع اهل قريته ومع الله حيث رده ربنا إلى نفسه التي كان يكرهها، والى إخوانه واهل قريته التي طردوه منها، والى الله.الذي حسب الشريعة اليهودية اعتبرته نجسا. ولكنه استعاد الغرض من الحياة. لم يعد يدعو نفسه “كتيبة”.
نقرأ في الإنجيل: “15فَلَمَّا وَصَلوا إِلى يسوع، شاهَدوا الرَّجُلَ الَّذي كانَ مَمسوساً جالِساً لابِساً صَحيحَ العَقْل، ذاكَ الَّذي كانَ فيه جَيشٌ مِنَ الشَّياطين، فَخافوا.”(مرقس 5: 15). في لغتنا، كان يشعر “بالإعتزاز بنفسه.” بدلا من كونه معزولا عن حياة المجتمع، فنجده أعيد إلى الشركة من قبل ربنا الذي قال له، “اذهب إلى بيتك إلى أصدقائك” (مرقس 5: 19).
أخيراً، بدلاً من كره الله، نجد أنه “20مَضى وأَخذَ يُنادي في المُدُنِ العَشْرِ بِكُلِّ ما صَنَعَ يسوعُ إِلَيه، وكانَ جَميعُ النَّاسِ يَتَعَجَّبون.”(مرقس 5: 20) إنه مشابه للإنسان اليوم. لو النفس المعاصرة متضايقة جدا بالمخاوف والقلق ، يمكن أن تأتي إلى الرب من خلال عزلة القلب قائلا مع المرتل: “مِنَ الأَعْماق صَرَختُ إِلَيكَ يا رَبّ”(مز 129).
الختام
السؤال المهم اية غلبة نكون؟ كثيرون اليوم محبوسين في سجون عقولهم. والله وحده هو الذي يستطيع أن يخرجهم، مثلما ترك بطرس يخرج من زنزانته. كل ما يجب على الإنسان فعله هو المساهمة في الرغبة في الخروج.
المطران حبيب هرمز
12/ 2025