العلاقة الرعوية مع النازحين

مقال كتب سنة 2016اثناء المواجهة ضد داعش في سهل نينوى

العلاقة الرعوية مع النازحين

المطران حبيب هرمز

البصرة 5 – 2016

استعراض حالة النازح

يوجد بين النازحين كل شخصيات حافات الكنيسة التي نوه عنها الروحاني الأب اليسوعي هنري نوون: الشيوخ والعجزة، المعاقين، الأطفال واليتامى، المسجونين، المرضى جسديا ونفسيا، ومن لا مسكن لهم.

يعاني النازح من صعوبات في حياته جسديا ونفسيا وروحيا، وله حاجات عضوية اساسية (المأكل والمشرب والملبس). وهو بحاجة الى الأمان والشعور بالأنتماء والحب والتقدير، والى اثبات الذات في وقت عصيب. هناك من يعانون من امراض سابقة، كما ان الحيز المكاني في اماكن النزوح صغير، وهناك تأثير لسوء التغذية والمناخ الصحي. هذه كلها يؤدي الى صعوبة التأقلم مع الحياة القاسية. المهجر يعاني ايضا من نتائج الخسارة الكبيرة في المال والأهل بسبب التهجير والمصير المجهول والقلق والشعور بضياع العمر. وعندما لا تسنده الصلاة لوحدها ولا رعاية الكنيسة ولا ممن هم حوله، قد يلجأ الى طرق منحرفة كالكحوليات والمخدرات والتهور في قيادة السيارة والإعتداء على الآخرين وممتلكاتهم او الدعارة، وتظهر فيه امراض سيكوسوماتية (نفسجسمية).  اما روحيا فإنه يعاني من خطر تجربة اليأس من ايجاد حل والتي قد تدفع به الى الشك بالوعود الإلهية والكتاب المقدس وبالكنيسة التي يتصور انها قادرة على كل شيء.

رعاية النازح

العلاقة الراعوية تتطلب ثلاثة امور في نفس الوقت: تلبية الحد الأدنى من الحاجات الجسدية والنفسية والروحية. كان هناك قول لا اعرف مدى مصداقيته يقول “انك لا تستطيع ان تطلب ايمان من واحد جوعان”. فبعد العون المادي، هو بحاجة الى التشجيع على الصبر وفتح باب الرجاء. لذلك خطة الراعي هي زيارته ومرافقته روحيا وتحريك جماعة الخدمة للعمل البسيط. إن القلب الكبير للراعي وخدام الكلمة يمكن ان يساهم في تخفيف العبء على المهجر. فرسالة الراعي تشمل كل الكيان البشري، كما ان للكاهن دور واهمية في عمل احتفالات افخارستية صغيرة لهم ومساعدتهم على الإحتفال ببقية الأسرار كالعماذ والزواج والتوبة ومشحة المرضى واكتشاف الدعوات الكهنوتية والرهبانية. هذا اضافة الى التعليم المسيحي المستمر وحسب العمر.

العلاقة الراعوية هي تصاعدية اي تتم اولا ضمن الخورنة، ثم ضمن الأبرشية، واخيرا ضمن الرقعة البطريركية، هذا اضافة الى الفائدة من خدمات الكنيسة الجامعة. انها تستند الى دور الحياة الإيمانية العملي من خلال الإستفادة من الخبرات الكنسية عبر التاريخ بدءا من احداث العهد القديم والمشورات الإنجيلية ورسائل مار بولس ومار بطرس ومار يعقوب وبقية الرسل، وكيف تصرفت الكنائس ايام الكوارث منذ فترة آباء الكنيسة ايام الإضطهادات.

زيارات موقعية ومسح عبر وسائل التواصل

من خلال زيارة الكاتب الى حوالي 120 عائلة نازحة في الجنوب والشمال منذ هجوم داعش الى اليوم والإستماع الى همومهم وعمل استطلاع بسيط عبر وسائل التواصل الإجتماعي، تبين انه نادرا ما يزورهم كاهن او راهب او راهبة. البعض ممتن للكاهن لشدة اهتمامه بهم ولا اريد ذكر اسم هنا. البعض قالوا ان الزيارة مرة شهريا او كل شهرين والبعض لم يزرهم احد منذ نزوحهم، اي لم يزرهم كان منذ سنتين. كما اكدت عشرات العائلات انها لا تحضى بقداس اكثر من مرة شهريا لشحة الكهنة. وهذه النتائج هي من معلومات استقيتها من معظم ابرشيات العراق والأردن وتركيا (عبر الهاتف) ولبنان. البعض اتهم الكهنة بالتحيز، اي الزيارة والمساعدة حسب القرية او الكنيسة الخاصة. رغم ان هناك مبالغة في الشكوى ولكن فيها جانب من الحقيقة فحتى لو كانت هناك زيارة فهي نادرة، فكم بالأحرى التعليم والإرشاد. علما ان هناك حالات من الأمية في القراءة والكتابة والتي لم تكن موجودة سابقا.

رسالتنا

ان رسالة الراعي هي مشاركة آلام النازحين ليساهم في شفائهم ويعيد بناء الثقة بأنفسهم والآخرين. لذلك ان تراكم الخبرات الرعوية ضرورية لعمل ستراتيجية فيما يخص عيش افكار اللاهوت الأدبي عمليا وديناميكية النفس البشرية في هذه السنوات المؤلمة ودور علم الإجتماع لفهم اكبر للشخص البشري. هنا من المهم كشف الحقائق حول احوالهم لغرض التشخيص واقتراح العلاج وذلك من خلال دراستها وفق توجهات اللاهوت الرعوي لأن العلاقة الرعوية مرتبطة بوعد وعهد الله مع البشر.

الأسقف والكاهن لوحدهما لا يستطيعان عمل الكثير وكذلك الأخوات الراهبات. لذلك تؤكد الكنيسة الكاثوليكية على دور الشباب في مساعدة الكاهن لرعاية النازحين، ولكن بعد اعدادهم لذلك. ان الروح العامل في المؤمنين هو هو الذي يعمل في قلوب الأساقفة والكهنة ومساعديهم والنازحين، انه روح الحق والمحبة. انه يعلمنا حياة الشركة ويمنحنا مواهبه. هذا الروح يدعونا ان نفسح المجال ايضا لوجود مريم بين التلاميذ من خلال روحانيتها، وهذه الروحانية مهمة لنا وللنازحين لأن امنا رافقت ابنها يسوع حتى الصليب. وما العمل الرعوي سوى مواصلة لعمل المسيح لتخفيف تأثير الأمراض والفقر والجهل والظلم الإجتماعي واللاعدالة المتفشية في بلدنا للأسف، والعمل لأجل العدالة تجاه ابناء كنيستنا وزرع روح السلام في قلوبهم كما فعل يسوع المسيح. والصلاة مهمة ايضا هنا للشفاء لأنها تترك نعمة الله تدخل الى اعماق النازح ليتقوى ويحمل صليبه بفرح مثل سيده. الصلاة مهمة للمكرس كي يتقوى بقوة علاقته مع الرب.

النازح

النازح لديه طموحات ولا يعرف الإكتفاء بحد معين، بعد تلبية حاجاته الجسدية يسعى الى التعبير عن مشاعره النفسية كالحب والحقد والإحتفال وغيرها؛ انه جسد محطم بحاجة الى ترميم، فحقوقه ضائعة لدى الدولة. هنا يأتي دور الرعاية الروحية لبث الرجاء فيه. انه يريد ان يفرح، ولكن ذكرى ايام التهجير تبقى تحز في نفسه فيشعر بالإحباط ويحاول الكثيرون القاء اللوم على الكنيسة او الدولة او الزمن او الحظ او على الله. ولكن الرعاية الروحية تسعى الى ان تدفعه ليؤمن بالغد ضمن حرية ابناء الله حيث لا قيامة دون صليب. وهذا ليس تبريرا للنزوح ولكن ربما ما يحصل له هو نتيجة لثباته على قيم الرب. الراعي يفهمه ان الرب معنا ونحن في حالة انتظار والعالم يعاني من مخاض. صحيح هناك صعوبات منها سوء الفهم المشترك بين النازح والمكرس لأسباب اجتماعية وثقافية (الجذور القروية والتباين الثقافي والعلمي). لكن هذا لا يمنع الضيافة الروحية ومثل السامري الصالح.

الختام

نؤكد على تنمية مهارات الخدام من خلال دورات تخصصية. من الضروري التأكيد على ان محبة المسيح هي للكل للتأكيد على كرامة الشخص البشري.

نؤكد على التنسيق بين لجنة الخورنة مع لجان بقية الخورنات من جهة ومع منظمات المجتمع المدني من جهة اخرى. لذلك من الضروري ادخال اللجان مع الآباء في دورات تخصصية لكون الظروف الراهنة غير مهيأ التعامل معها سابقا.

ونؤكد على دور الصلاة، وضرورة الإبتعاد عن كل ما يميز بين النازحين طائفيا، او مناطقيا، أو ثقافيا، أو عمريا، وتوخي الحقيقة الموضوعية لا تغليب الرأي الذاتي عند تفعيل الرعاية.