زواج مؤمن كاثوليكي من طرف آخر غير مسيحي (غير معمَّد)، كأن يكون مسلماً
يُعرِّف قانون الكنيسة الكاثوليكيَّة الزواج بأنَّه عهدٌ وضعه الخالق وحصَّنه بشريعته، وبه يُقيم الرجل والمرأة، برضاهما الشخصي الذي لا رجعة فيه، شركة بينهما تشمل الحياة بأسرها، وهو مُرتَّبٌ بطبيعة أمره لخير الزوجين وإنجاب البنين وتربيتهم؛ وبترتيب من المسيح، الزواج الصحيح بين المعمَّدين هو سرٌّ بذات الفعل، به يجمع الله بين الزوجين على مثال الإتِّحاد السرمدي بين المسيح والكنيسة، ونعمة السرِّ هذه تمنحهما نوعاً من التكريس والحصانة. كما أنَّ للزواج المسيحي خاصَّتان جوهريَّتان: الوحدة وعدم الإنحلال، وتكتسب كلتاهما، بفضل السرِّ، إستقراراً خاصاً في الزواج بين المعمَّدين. وبالتالي فالزواج لكي يكون صحيحاً يجب أن يكون بين رجل وإمرأة مُعمَّدين لأنَّه كسرِّ إتِّحاد المسيح بالكنيسة.
أمّا فيما يتعلَّق بزواج طرف كاثوليكي من طرفٍ غير معمَّد (مثلاً: طرف مسلم). يقول القانون الكنسي صراحة: “لا يمكن الإحتفال بالزواج على وجهٍ صحيح مع غير الــمُعمَّدين” (القانون/803-البند1). والسبب هو ما نُسمّيه مانع إختلاف الدين (disparitas cultus). ولكن لأنَّ المانع ليس إلهيّاً بل كنسياً، أي خاضع للشرع الكنسي وليس للشرع الإلهي (فلا توجد في الكتاب المقدَّس آية تقول أنَّه لا يمكن الزواج من غير المعمَّدين). لذلك فإنَّ للسلطة الكنسيَّة، أعني الرئيس الكنسيّ المحلّي الحقَّ في التفسيح من هذا المانع لأسبابٍ صوابيَّة وتحت شروط لا يمكن التنازل عنها. أمّا شروط التفسيح من مانع “إختلاف الدين“ فهي:
(1) أن يعلن الطرف الكاثوليكي عن إستعداده لدفع خطر ترك الإيمان، وَيَعِدَ وَعداً صادقاً بأنَّه سيبذل كلَّ ما في وسعه لتعميد جميع أبنائه وتربيتهم في الكنيسة الكاثوليكية؛
(2) أن يُحاط الطرف الآخر (غير المعمَّد) في حينه علماً بهذه الوعود، الواجب أن يؤدّيها الطرف الكاثوليكي، ليتَّضح أنَّ ذلك الطرف أدرك حقاً وعود الطرف الكاثوليكي وواجباته؛
(3) يجب تلقين الطرفين أهداف الزواج وخصائصه الجوهرية التي يجب ألاّ يستبعدها أيٌّ من الطرفين. وبالتالي فهناك ثلاث شروط من أجل التفسيح إن لم تتوفر فلا يمكن للرئيس الكنسي أن يمنح هذا التفسيح:
(أ) التعهُّد الخطّي من قبل الطرف الكاثوليكي بعدم جحد الإيمان المسيحي؛
(ب) التعهُّد الخطّي من قبل الطرف غير المسيحي (غير المعمَّد، المسلم) بعدم إجبار الطرف الكاثوليكي على تغيير دينه؛
(ج) التعهُّد الخطّي من قبل الطرف غير الكاثوليكي (غير المعمَّد، المسلم) بتعميد الأولاد في الإيمان المسيحي وبتربيتهم بحسب تعاليم الكنيسة. ويضاف على ذلك أنَّ الطرف غير المسيحي (غير المعمَّد، المسلم) يجب أن يتعلَّم ما هي الخواصّ الجوهرية والأساسيَّة للزواج المسيحي (الديمومة وعدم الإنحلال) وكلَّ ما يتعلَّق بسرِّ الزواج من قدسيَّة لكي يشارك الطرف الكاثوليكي “إيمانه المسيحي” بالزواج كسرٍّ مُقدَّس.
لكن ولأنَّ هذه الشروط غير ممكنة مع بعض الديانات، مثلاً مع الدين الإسلامي، فالكنيسة الكاثوليكية لا تمنح هذا التفسيح على الإطلاق، ما لم يتعهَّد الطرف غير المسيحي (المسلم) بكلِّ ما سبق. وهذا أمرٌ مستحيل بالنسبة إليه، وكلُّنا يعرف أسباب ذلك. يكفي القول بأنَّه في بلدنا العراق لا يتمّ منح هذا التفسيح على الإطلاق. إذ في حالة زواج طرف مسيحي من طرف مسلم، على الطرف المسيحي وبشكلٍ أوتوماتيكي عليه أن يتخلّى عن ديانته المسيحيَّة ويشهر إسلامه. لكن من جانب الكنيسة، فإنَّ موافقتها على مثل هذه الزواجات، بعد تنفيذ الشروط التي تفرضها ومنح التفسيح، لهو تأكيد على جديَّة الكنيسة الكاثوليكية في إحترام الشرع الإلهيّ والشرع الكنسي من ناحية، ومن ناحية أخرى إنفتاحها وإحترامها لحقِّ كلِّ إنسان في الزواج “حقٌّ طبيعي”.
بقلم الأب سالم ساكا